تابعت باهتمام أنباء تعثر جولة مفاوضات سد النهضة "المشئوم" التي استضافتها العاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع الماضي بين وفود مصر والسودان وإثيوبيا.
في ختام الاجتماعات، التي استمرت 14 ساعة، وحضرها وزراء الخارجية والري، ومديرو المخابرات وقيادات الهندسة في الدول الثلاث، أعلن وزير خارجية السودان إبراهيم غندور فشل الدول الثلاث في التوصل إلى اتفاق
بشأن قواعد تعبئة وتشغيل السد، مؤكدًا أن القضايا الخلافية تحتاج إلى صبر وإرادة.
ماذا لو نفد الصبر، وتزعزعت الإرادة، وجرى المساس باتفاقية عام 1959، ووصلت الخلافات حول قواعد تعبئة وتشغيل السد إلى طريق مسدود، لا قدر الله؟!
هذه فقرات منتقاة من رسالة تخيلية، عاجلة ومستعجلة، يوجهها مواطن مصري إلى سكرتير عام الأمم المتحدة "أنطونيو جوتيرس": تعلمون سيادتكم بأن الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة والتي تم اعتمادها عام 1997، والخاصة بالمجاري المائية غير الملاحية، والتي تتضمن قواعد هلسنكي الخاصة بإدارة أحواض الأنهار الدولية المشتركة، والتي منها قواعد الإخطار المسبق، وعدم الضرر، والتوزيع العادل والمنصف لمياه الأنهار الدولية المشتركة، لم يتم الالتزام بها في حالة نهر النيل؛ حيث تقوم إثيوبيا - على مدى الأعوام "الخمسة" السابقة - ببناء وتشييد سد ضخم؛ لحجب مياه النيل واستخدامها في توليد الطاقة، وغيرها من الاستخدامات الآخرى.
وعلى الرغم من أن دولة إثيوبيا هي دولة منبع لنهر النيل؛ فإنها عندما شرعت في بناء هذا السد لم تتشاور مع دول المصب - ومنها مصر والسودان - مخالفة بذلك كل القواعد والأعراف والمبادئ الدولية؛ حيث إنها بذلك تخرق قواعد ومبادئ الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وجميع القوانين المنظمة لإدارة النيل كنهر دولي.
ولما كانت مصر تدرك مدى أهمية هذا السد لإثيوبيا تحت مسمى "سد النهضة العظيم"، وما سيحققه للشعب الإثيوبى الشقيق من تنمية وازدهار، إلا أن مصر تدرك أيضًا أن إنشاء وتشييد السد دونما إخطار مسبق، ودونما تقييم حقيقي لحجم الضرر الذي قد يسببه بناء هذا السد على الحقوق التاريخية لمصر من مياه النيل، وكذا للآثار البيئية المتضمنة للآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية المحتملة من بناء هذا السد على حياة سكان دول المصب وعلى التراث العالمي والإنساني.
وإذا كانت مصر خلال الأعوام الخمسة الماضية قد التزمت سياسة ضبط النفس، وعدم التصعيد، وصولا إلى توقيع اتفاق مبادئ بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا يضمن حق إثيوبيا في تحقيق التنمية لشعبها، في الوقت نفسه الذي يضمن حق كل من السودان ومصر في الحياة التي عمادها نهر النيل، ونظرًا لأن عمليات بناء السد تتم في الوقت الحالي بمعدلات أسرع من معدلات دراسة الآثار المترتبة على ملء بحيرة السد في مراحلها الأولى، وكذا عدم وجود رؤية واضحة لقواعد الملء والتشغيل، بالإضافة إلى عدم كفاية دراسات الآثار البيئية على دولتي المصب حال انهيار السد، فلابد من وقفة حازمة وحاسمة مع هذا الموقف "الأناني" لإثيوبيا.
وإذا كنا نحذر في هذه اللحظة التاريخية من عواقب عدم الوصول إلى حل سريع ومرضٍ لكل الأطراف المشاركة في مياه نهر النيل؛ سواء المؤثرة أو المتأثرة بمياه النهر، فإن مصر تعتبر - حتى هذه اللحظة الفارقة - أنها تحترم المواثيق والمعاهدات التي أبرمتها مع جميع دول العالم؛ وكذا جميع الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجامعة مع دول حوض نهر النيل، وسواء كانت تلك الاتفاقيات والمعاهدات قد تم توقيعها عندما كانت مصر دولة حرة، أو مستعمرة في الماضي ومنها اتفاقية القسطنطينية عام 1888.
أما في حالة عدم التزام أي طرف من دول حوض نهر النيل بما سبق أن وقعه من معاهدات واتفاقيات بينه وبين مصر حول إدارة مياه نهر النيل؛ تحت مزاعم أن هذه الاتفاقيات قد تمت عندما كانت دول منابع النيل مستعمرات غربية، ومخالفة بذلك قواعد التوارث الدولي للاتفاقيات والمعاهدات، فإننا – وبكل أسف- وبناء على رغبة أكيدة من جموع الشعب المصرى التي ترى أنه لا تنازل عن أي حقوق تاريخية، فإن مصر لن تحترم أي اتفاقيات موقعة بالماضي وهي تحت قبضة الاستعمار، والتي من أهمها اتفاقية القسطنطينية التى تسمح بمرور سفن وبضائع جميع دول العالم من قناة السويس؛ سواء في زمن السلم أو في زمن الحرب.
مرفق لسيادتكم شهادة مواطن مصري للتاريخ حول قضية "سد النهضة" وعلاقتها بقناة السويس، التي لم تكن لتحفر لولا مياه نهر النيل، التي جاء ذكرها بالمواد 2 و 4 و8 و17 من اتفاقية القسطنطينية، والتي وقعت عليها جميع الدول.
هذا مع العلم بأنه إذا لم يتم الرد علينا خلال (....) وفى موعد أقصاه (....) وهو موعد بداية السنة المائية الجديدة لنهر النيل؛ فإننا سنقوم من جانبنا بإخطار الشركات الملاحية - التي تعبر مراكبها وشاحناتها وحاوياتها قناة السويس - بعدم نقل أي بضائع لأي دولة لا تحترم قواعد القانون الدولي في تعاملاتها مع هيئة قناة السويس؛ وسواء كانت تلك البضائع واردة أو مصدرة من تلك الدولة النيلية.
وكما تعلمون، فإنه يوجد أكثر من 260 نهرًا دوليًا مشتركًا بقارات العالم، منها أكثر من 60 نهرًا دوليًا مشتركًا بإفريقيا وحدها، وحيث يوجد حوالى 60% من سكان العالم يعيشون في دلتا الأنهار ومصباته؛ مما يتطلب وجود قواعد واضحة وملزمة لدول المنابع تجاه دول المصبات، والتي منها دول حوض نهر النيل.
التوقيع:
مواطن مصرى: عبد الفتاح محمد مطاوع - مؤلف كتاب "بوليتيكا سد النهضة" - دكتور مهندس - أستاذ متفرغ بالمركز القومي لبحوث المياه - رئيس قطاع مياه النيل الأسبق - عضو مجلس حكماء المجلس العالمي للمياه سابقًا.
kgaballa@ahram.org.eg






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق