بين جماليات الفن وعشوائية الواقعالديكور السينمائي.. من حوائط الجبس إلى الخلفيات الإلكترونية
بين جماليات الفن وعشوائية الواقع يلعب الديكور دورا محوريا في أي عمل فني، ويعتبره أغلب النقاد «الشريك الأساسي» لكل من المخرج وكاتب السيناريست؛ لذلك فهو جزء من الشخصية الدرامية لأي فيلم...تطور مسيرة الديكور ومدى تأثره بالتكنولوجيا، كان محور السطور التالية..
عندما نتكلم عن مسيرة الديكور السينمائي، فإنه قد شهد تطورات متلاحقة بدءًا من نشأته الأولى منذ استخدام الأدوات البدائية كحوائط الجبس، انتهاء بالخلفيات الإلكترونية الآن، ويستخدم مهندس الديكور أدواته بحسب السيناريو المكتوب، ويحدد أبعاد وجماليات الصورة السينمائية بحسب الفراغات، ويصوغ مكونات المشهد بما يخدم الصورة والحوار.. وفي بعض المشاهد قد يكتفي المخرج باستعراض قطع الديكور، وتمر الصورة من دون حوار.. فلكل قطعة في الديكور لغة تتحدث بها مع عين المشاهد عن طريق الكاميرا.
ويتفق القائمون على الأعمال السينمائية على أن الديكور يعد أحد العوامل الرئيسية التي تحدد نجاح أو فشل العمل الفني، فهو، كما يقولون، يستمد روحه من السيناريو، حيث يعد جزءًا من البناء الأساسي للفيلم، ويعبر عن الحالة الدرامية للعمل الفني، وقد كان في الأفلام القديمة يمثل 90% من مشاهد الفيلم؛ لذلك اكتسب خلال القرن الماضي ومع بدايات السينما أهمية كبرى حتى يناسب الأجواء الدرامية التي تصل للمشاهد وتحمل معها شحنة كبيرة من الأحاسيس المرتبطة بالأبعاد الروحانية والمادية على حد سواء.
الخبرات الأجنبية والمصرية تمتزج
في البداية المبكرة للسينما المصرية، قبل أكثر من مئة عام ـ كما يقول مهندس الديكور صلاح مرعى، الذي بدأت مسيرته الفنية مع مطلع الستينيات من القرن الماضي ـ فقد امتزجت الخبرات المصرية والأجنبية، وقد كان لاستوديو مصر الفضل في ظهور جيل من الرواد، خاصة أن تصميمه جاء بعد دراسة مستفيضة من جانب بعض البعثات المصرية التي تم إرسالها إلى أوروبا لدراسة فن الديكور، حتى خرجت الأفلام الثلاثة الأولى في تاريخ السينما «دار» عام 1936، و«لاشين» عام 1939، و«دنانير» عام 1940 في أجمل صورة.
ويعتبر سامح ولي الدين من مؤسسي فن الديكور في مصر، فقد وضع اللبنة الأساسية لواقعية المنظر السينمائي وذلك عام 1939 في فيلم «العزيمة»، بعد أن انتبه إلى فكرة تعرية المنظر السينمائي وإدخال عوامل الزمن عليه من خلال الحوائط المتساقطة وأبواب الشقق التي تساقط زجاجها بسبب الإهمال.
وقد ثبّت سامح أقدامه في الديكورات التي توحي بالواقعية وتبعث على النفس مشاهد الصحراء بما تحمله من جبال وسهول ووديان وذلك في فيلم «دنانير» الذي وضع تعريفا لفن الديكور بعد أن أذهل المشاهد بصورته الواقعية.
وتؤكد المعلومات المتوافرة عن فن الديكور، أن أنطون بولزيوس كان أول الأجانب الذين استعانت بهم السينما المصرية في البداية لتدريب المصريين على هذا الفن، وقدم بولزيوس مع المخرج كمال سليم عام 1943 فيلما بعنوان «قضية اليوم»، ثم فيلم «العزيمة» الذي رسم فيه الحارة المصرية من خلال مقوماتها الموجودة حاليا من جزار وعجلاتي وبائع متجول ومقهى وبعض المنازل المهدمة، واستعان بالجبس والأخشاب لعمل ديكورات خاصة أعطت إيحاء بأن الفيلم تم تصويره على الطبيعة ووسط الناس، في حين احتضنه استوديو مصر لمدة عام تقريبا.
كما استعانت السينما المصرية أيضا خلال تلك الحقبة بمهندس ديكور ألماني يدعى «فنبرج» الذي كان يشتهر بتصميم ديكورات الأفلام التاريخية؛ لذلك استطاع تنفيذ ديكورات أفلام «عنتر بن شداد، الناصر صلاح الدين، ليلى بنت الصحراء، خالد بن الوليد، وأمير الجزيرة».
ديكورات أكثر واقعية
ومع بداية عام 1950 بدأت الديكورات الخاصة بالأفلام تأخذ شكلا أكثر واقعية بعد أن أتقن جيل آخر من مهندسي الديكور العمل، منهم ماهر عبدالنور وحلمي عزب وشادي عبدالسلام، وكانت البداية مع فيلم «درب المهابيل» عام 1955 الذي تغلب الأخشاب على ديكوراته، بالإضافة إلى الأقواس والبرانق والأسقف التي تُكسب المنظر أسرارا بصرية بحسب الطبقة الاجتماعية للشخصية، ثم وجهت انتقادات لاذعة بسبب زيادة عنصر الخشب على جملة العناصر المكونة للديكورات، وذلك في فيلم «حسن ونعيمة» عام 1959 الذي كان يظهر فيه بيت نعيمة كبيوت الأثرياء.
وتميزت أفلام تلك المرحلة بالنقل الحقيقي لبعض الأماكن في مصر كما حدث في فيلم «الفتوة» لصلاح أبوسيف عام 1957، حيث راعى مهندس الديكور نقل تفاصيل سوق الخضار بشكل واقعي إلى استوديو النحاس، واستطاع نسخها بشكل متميز يجعل المشاهد يرى أنها سوق روض الفرج، حتى الثلاجة الضخمة استطاع بناءها بذكاء شديد.
ويلاحظ أن مهندسي الديكور خلال فترة الخمسينات قد فرضوا الحالة المالية السيئة والفقر المدقع الذي كانت تعيشه البلاد في تلك الفترة، حيث ظهر ذلك في فيلم «بداية ونهاية» لصلاح أبوسيف، إذ ظهر الفقر على منزل الأسرة التي رحل عائلها من خلال ديكور المنزل المتهالك الذي تشققت جدرانه، وظهرت فتحات في سقفه، بالإضافة إلى استعانته ببعض المؤثرات؛ مثل آيات قرآنية والمأثورات المعلقة على الجدران ومستوى الشقة الذي يقل عن مستوى الشارع، بينما بدأت الخطوط المعمارية تظهر في منتصف الستينات مثل المشربيات والأرابيسك التي ظهرت مع فيلم «زقاق المدق»، ثم جاءت فترة جديدة مع نكسة 1967 وأصبحت الديكورات تنحصر بين منازل مهدمة وفي الداخل أعمدة أسرة وحوائط تعرضت لقصف وتحولت لأنقاض.
الديكور يعكس موقفاً سياسياً
وقد يعكس الديكور موقفا سياسيا مثلما حدث مع فيلم «شيء من الخوف»، والذي أظهر التباين الشديد بين الخير والشر والغنى والفقر، حيث ظهر منزل الإقطاعي عتريس كأنه قلعة محصنة تخلق جوا من الرهبة والتوتر، واستطاع شادي عبدالسلام إبراز ديكورات منازل الفلاحين وملابسهم المهلهلة، وكأنه يلخص مفهوم تلك الحقبة.
ولم يكن فيلم «شيء من الخوف» هو الوحيد الذي أظهر قدرات شادي عبدالسلام الذي أصبح عميداً لمهندسي الديكور في مصر، حيث اتسمت أعماله عن غيره بالبساطة في التصميم والاهتمام بالتفاصيل المعمارية والتنسيق بين عناصر الصورة؛ مما أكسب جميع أعماله صدقا، وقد ظهرت الاهتمامات بالتفاصيل المعمارية واضحة وجلية في فيلم «رابعة العدوية» عام 1963، حيث قام ببناء مساحة كاملة حول مسجد استوحى فكرته من عمارة سمرقند، واستخدم لونا موحدا للمكان هو اللون الأبيض، بينما نشر عددا من المشربيات حول المسجد حتى يعطي إيحاء بأن تلك الأحداث جرت بالفعل في عصور قديمة، بينما تجاوز الإبداع الدراما التاريخية في فيلم «أمير الدهاء» بعد أن ظهرت زخارف هندسية وتناسق ملابس الممثلين مع محتويات القصر.
وانطلقت مرحلة جديدة من تصميمات المناظر السينمائية والتلفزيونية بحلول عام 1970، بعد أن اتخذت مصر الأسلوب الأمثل في تطوير صناعة السينما، حيث بدأ صناع الديكور يحاكون الواقع من خلال الاختصار والتكثيف اللذين لا يثقلان كاهل الكادر السينمائي بتفاصيل الاكسسوار، وقد تجلى ذلك في «السقا مات» عام 1977 الذي اتسم بالبساطة في ديكوراته من خلال منزل متواضع حجراته صغيرة، يقع بين «صنبور مياه حكومي ومطعم فقير وحمام شعبي».
الثورة التكنولوجية
ومع بداية الثمانينات اتخذت الحارة المصرية أشكالاً مختلفة في أفلام السينما، حيث اختلفت حارة «الزعيم» عن حارة «بين القصرين» عن حارة «الكيت كات»، جاءت بعد ذلك الثورة التكنولوجية التي جعلت المنتج يحاول بقدر الإمكان تقليل الديكورات التي ينفق عليها أموالا طائلة، وذلك منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حيث ساعدت تلك التكنولوجيا في إبهار الخيال الفني، فظهرت أفلام المقاولات، ووصل الإنتاج في العام الواحد إلى 120 فيلمًا، كان جميعها يفتقر للديكور الذي تعودت عليه أعين المشاهد في الفترات السابقة.
يقول مهندس الديكور تامر إسماعيل، إن مفهوم الديكور لدى السينمائيين تغير اليوم عن ذي قبل، فالمنتج والمخرج أصبحا يعتمدان على التطور التكنولوجي فاستعاضا بالخلفيات، في حين أن الديكور يستمد روحه من السيناريو ويعبر عن الحالة الدرامية، حيث كانت للديكور أهمية عظمى في الماضي، لكن المؤثرات قد حلت تلك المشكلات من خلال بعض برامج الحاسب الآلي.






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق