"من الإنصاف والعدل إعطاء كل ذي حق حقه ممن اكتمل عطاؤهم، فبعد أن صبروا ورابطوا من أجل إعلاء قيمة الوطن في شتى مناحي العمل والإنتاج، وقد بلغوا من الكبر عتيًا ووصلوا من العمر أرذله، فحق على الدولة والمجتمع ككل أن يقف بجانبهم وأن يكون لهم سندًا وعضدًا، وأن ييسر لهم ملزمًا كل عسير، ويُؤْمِن حياتهم ويصون كرامتهم ويضمن توقيرهم ورعايتهم؛ وفاءً لماضيهم وإجلالا لحاضرهم واستشراقًا لمستقبلهم".
هذه الفقرة جاءت ضمن حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري، الذي يلزم الحكومة بإضافة 80% على الأجر المتغير من قيمة العلاوات لأصحاب المعاشات.. وتنفيذ الحكم بمسودته دون إعلان.. حيث إن المحكمة تقدر درجة الإلحاح العالية للاحتياجات الأساسية والضرورية لأصحاب المعاشات والذين هم في أمس الحاجة إلى سرعة وزيادة أنواع الرعاية حتى يتمكنوا من مواجهة احتياجهم للحاجة وما يعانونه من عجز ومرض.
وكانت هيئة المفوضين بمحكمة القضاء الإداري، قد أوصت بأحقية كل أصحاب المعاشات في 80% من العلاوات الاجتماعية التي صدرت أثناء وجودهم في الخدمة ولم تضف إلى الأجر المتغير، وطالبت هيئة المفوضين في تقريرها، بضرورة استعادة كل صاحب معاش للعلاوات دون اللجوء إلى القضاء، طبًقا للحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في 2005، بأحقية أصحاب المعاشات في استعادة هذه العلاوات، ولكن هيئة التأمينات الاجتماعية ووزارة التضامن رفضوا تعميم هذا الحكم.
بعد كل هذه الحيثيات كان المنتظر من الحكومة - التي من المفروض أنها حكومة الشعب - أن تمتثل لهذا الحكم، وتعيد الحق إلى أصحابه من كبار السن الذين أفنوا زهرة عمرهم وشبابهم في خدمة الدولة، ولم يبخلوا عليها بالعطاء، ولكن للأسف تؤكد الحكومة كل يوم أنها لا تضع هذه الفئة في حساباتها، برغم أن كل التقديرات المنصفة تؤكد أن أصحاب المعاشات - الذين ترفض الحكومة تنفيذ هذا الحكم لصالحهم - كانوا عنصرًا أساسيًا في نجاح الانتخابات الرئاسية 2018، وهم الذين ضربوا أروع الأمثلة الوطنية بتلك المشاركة الواسعة.
كنت أنتظر تقديرًا للدور الذي قام به هؤلاء في دعم كل توجهات الدولة خلال خدمتهم، وحتى وهم على المعاش، أن ترحب الحكومة التي جاءت أصلاً لرفع المعاناة عن كاهل الشعب بهذا الحكم، وتتخذ الإجراءت التنفيذية الواجبة لعودة الحقوق إلى أصحابها، بدلاً من أن تلجأ إلى حيل وألاعيب، أقل ما توصف به أنها تؤكد المثل والفكرة المترسخة في أذهان الناس، أن الدولة تنظر إلى هذا القطاع الكبير من الشعب نظرتهم إلى خيل الحكومة، الذي تكافئه الحكومة بعد أن يفني عمره في خدمتها أن تطلق عليه رصاصة الرحمة.
ولا أفهم تلك المراوغات التي تلجأ إليها الحكومة، وخاصة وزارة التضامن، التي تؤكد مع كل يوم أن وزيرتها ليست من الشعب، وليس لها علاقة بالتضامن مع الغلابة والبسطاء، فهي لا تشعر بمعاناة الناس، وخاصة أصحاب المعاشات، برغم وضوح حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري وضوح الشمس.
لو أن هذه الحكومة تقدر بالفعل دور هؤلاء الملايين من كبار السن، وتقدر مشاركتهم في انتخابات الرئاسة، التي أشاد بها القاصي والداني، وعرفانًا بجميلهم، لكانت امتثلت للحكم، ولم تطعن عليه، ومن هنا أنا مع كل تحرك يمكن أن يقوم به اتحاد أصحاب المعاشات، طالما جاء في الإطار الشرعي والقانوني للحصول على حقوق أصحاب المعاشات؛ ولأنه من المفروض أن يكون البرلمان هو ملاذ الشعب إذا ما "أكلت" الحكومة الحقوق وجارت عليها، وهناك ملايين من أصاحب المعاش خرجوا منذ 2006 حتى الآن يحق لهم صرف 5 علاوات حكم بها القضاء بأحقيتهم فيها، وهم قطاع غير قليل حتى تسكت الدولة عن حقهم، على نواب الشعب أن يتدخلوا لوضع حد لتجني الحكومة وتعسفها مع أصحاب المعاشات، وأن يساعدوا في عودة الحق المسلوب إلى أصحابه.
مرة أخرى كان من المأمول ونحن على أبواب فترة رئاسية ثانية للرئيس عبدالفتاح السيسي، أن تبدأ الحكومة نهجًا جديدًا تجاه الشعب، وفي القلب منه أصحاب المعاشات، وتساهم في تخفيف الأعباء عنهم، وهي هنا لا تعطيهم من خزينتها، وإنما تعيد إليهم بعضًا من حقوقهم ومدخراتهم، التي كانت تحصلها منهم، فهي لا تمن عليهم، وما كان أغنانا عن تلك المهاترات التي لجأت إليها وزيرة التضامن، والحكومة التي لجأت لإجراء غير دستوري عندما تقدمت لمحكمة الجنح غير المختصة لإلغاء حكم القضاء الإداري، رغبة منها في تعطيل تنفيذ الحكم، والتي جعلت اتحاد أصحاب المعاشات يتقدم باستشكال أمام محكمة استئناف عابدين لإلغاء استشكال الحكومة وتنفيذ الحكم، الذي أجلت المحكمة النظر فيه إلى 27 من شهر مايو المقبل.
إن إصرار الحكومة على موقفها يجعل من الضروري تكوين جبهة وطنية من الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية للدفاع الدائم عن حقوق أصحاب المعاشات.
Dr.ismail52@gmail.com






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق